القرطبي
304
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ) قال قتادة : هم المنافقون تولوا اليهود ( ما هم منكم ولا منهم ) يقول : ليس المنافقون من اليهود ولا من المسلمين بل هم مذبذبون بين ذلك ، وكانوا يحملون أخبار المسلمين إليهم . قال السدي ومقاتل : نزلت في عبد الله بن أبي وعبد الله بن نبتل المنافقين ، كان أحدهما يجالس النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود ، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجراته إذ قال : ( يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان ) فدخل عبد الله بن نبتل - وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية - فقال عليه الصلاة والسلام : ( علام تشتمني أنت وأصحابك ) فحلف بالله ما فعل ذلك . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( فعلت ) فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه ، فنزلت هذه الآية . وقال معناه ابن عباس . روى عكرمة عنه ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه إذ قال : ( يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان ) فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق ، فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( علام تشتمني أنت وأصحابك ) قال : دعني أجيئك بهم . فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شئ ، فأنزل الله عز وجل : ( يوم يبعثهم الله جميعا ) إلى قوله : ( هم الخاسرون ) واليهود مذكورون في القرآن ب ( وغضب الله عليهم ) . ( أعد الله لهم ) أي لهؤلاء المنافقين ( عذابا شديدا ) في جهنم وهو الدرك الأسفل . ( أنهم ساء ما كانوا يعملون ) أي بئس الأعمال أعمالهم ( اتخذوا أيمانهم جنة ) يستجنون بها من القتل . وقرأ الحسن وأبو العالية ( إيمانهم ) بكسر الهمزة هنا وفي ( المنافقون ( 1 ) ) . أي إقرارهم اتخذوه جنة ، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل ، وكفرت قلوبهم ( فلهم عذاب مهين ) في الدنيا بالقتل وفى الآخرة بالنار . والصد المنع ( عن سبيل الله ) أي عن الاسلام . وقيل : في قتلهم بالكفر لما أظهروه من النفاق . وقيل : أي بإلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد وتخويفهم .
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 123 .